|
الحكامة
والتنمية
العلاقة والإشكاليات
محمد بوبوش: باحث في العلاقات الدولية- جامعة محمد
الخامس- أكدال- الرباط
ما يزال الحديث عن التنمية الإنسانية المستدامة والحكامة
(الحكم الصالح (الراشد)) في مرحلتهما الأولى، وبخاصة في عالمنا العربي
والإسلامي، فحتى عهد قريب وربما قبيل صدور تقارير الأمم المتحدة
الإنمائية، كان المقصود بالتنمية هو النمو الاقتصادي، واستبدل التركيز من
النمو الاقتصادي، الى التركيز على مفهوم التنمية البشرية والى التنمية
المستدامة فيما بعد، أي الانتقال من الرأسمال البشري الى الرأسمال
الاجتماعي وصولاً الى التنمية الإنسانية ببعدها الشامل، أي الترابط بكل
مستويات النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي،
بالاستناد الى نهج متكامل يعتمد على مبدأ المشاركة والتخطيط الطويل الأمد
في حقول التعليم والتربية والثقافة والإسكان والصحة والبيئة وغيرها،
ويتوخى قدراً من العدالة والمساءلة والشرعية والتمثيل.
من هنا نشأت العلاقة بين مفهوم الحكم (الراشد) والتنمية
الإنسانية المستدامة، لأن الحكم الراشد أو الحكامة هي الضامن لتحويل
النمو الاقتصادي الى تنمية إنسانية مستدامة. ومع ذلك فقد ظل المفهوم
بحاجة الى تأصيل خصوصاً في المنطقة العربية، التي تعاني من ضعف المشاركة
ومركزية الدولة الشديدة الصرامة وعدم إعطاء دور كاف لهيئات الحكم المحلي،
ناهيكم عن إبعاد مؤسسات المجتمع المدني من المساهمة وعدم توّفر بيئة
صالحة سياسية وفكرية واقتصادية واجتماعية لذلك، سواء على صعيد التشريعات
أو بسبب ضيق مساحة الحريات الخاصة والعامة وبشكل خاص الحريات الأساسية.
هذا المقال يناقش في إشكالية المفاهيم، لتنتقل الى
المؤشرات والأبعاد بالنسبة للتنمية أو للحكم الصالح، لتضع محورية العلاقة
بين التنمية والحرية وان لم تكن عملية شرطية، لكنها في نهاية المطاف لا
بدّ أن تفضي إليها كفضاء لا غنى عنه، سواء من خلال الحكم الصالح أو
العلاقة المتبادلة بين الديمقراطية والتنمية، وبعدها تتوقف الورقة عند
سؤال التنمية والحكم الصالح... الى أين؟، لتخصص فقرة خاصة بإعلان الحق في
التنمية الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1986.
أولا:تحديــد
المفاهيم
ما
المقصود بالتنمية؟ هناك المفهوم الضيق المتداول أحياناً ببعده التقليدي،
والذي يُقصد منه التنمية الاقتصادية. يقابله المفهوم الواسع، الذي يستند
الى فكرة التنمية الإنسانية ببعدها الشامل، وكذا الحال بالنسبة لفكرة
الحكم الراشد أو " الحكم الصالح أو " الجيد" أو " الرشيد" أو"الإدارة
الرشيدة" والذي شاع استخدامه في السنوات الأخيرة.
فالمفهوم الضيق، والذي تُفضل أدبيات البنك الدولي استخدامه، يعتمد على
فكرة الإدارة الرشيدة بدلالة النمو الاقتصادي، عندما يتم التطرق الى
التنمية، في حين أن المفهوم الواسع يرتفع الى مستوى السياسة، فيعالج
مسألة الحكم والعلاقة بين عامة الناس والإدارة الحاكمة، بما يدخل في ذلك
مسألة الشرعية والمشاركة والتمثيل والمساءلة، إضافة الى الإدارة العامة
الرشيدة باعتبارها مكوّنات للحاكمية الراشدة (الصالحة) كما يذهب الى ذلك
تقرير التنمية الإنسانية العربية.
وتعد الحرية كفكرة جوهرية ومركزية في عملية التنمية
الإنسانية، خصوصاً إذا اعتبرنا التنمية الإنسانية هي: "
عملية توسيع خيارات الناس"، وبهذا المعنى، للناس ولمجرد كونهم
بشراً، حق أصيل في العيش الكريم ماديا ومعنويا، جسداً وروحاً ......
هكذا إذا التنمية لا تعني مجرد تنمية الموارد البشرية،
ولا حتى تنمية بشرية حسب، أي تلبية الحاجات الأساسية، لكنها تنمية
إنسانية شاملة في البشر والمؤسسات المجتمعية لتحقيق الحرية والعدالة
والكرامة الإنسانية.
والمفهوم الواسع للتنمية الإنسانية يضيف الى الحريات المدنية والسياسية
(بمعنى التحرر من القهر ومن جميع أشكال الحطّ من الكرامة الإنسانية، مثل
الجوع والمرض والفقر والخوف) الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية،
ليصل الى قاعدة عريضة تعتمد على مبادئ حقوق الإنسان.
أما الحكامة فلا بد أن تعتمد على عدد من المحاور الأساسية
منها: صيانة الحرية، أي ضمان توسيع خيارات الناس، وتوسيع المشاركة
الشعبية والمساءلة الفعّالة والشفافية الكاملة في ظل فصل السلطات
والتوازن بينها، وسيادة القانون والقضاء المستقل والنزيه والكفء، الذي
تنّفذ أحكامه من قبل السلطات التنفيذية.
ثانيا:التنمية والحكامة: أبعاد ومؤشرات:
مرّ مفهوم التنمية بأربعة مراحل: المرحلة الأولى، جرى
التركيز على النمو الاقتصادي، وفي المرحلة الثانية على التنمية البشرية
وفي المرحلة الثالثة، على التنمية البشرية المستدامة، وفي المرحلة
الرابعة، على التنمية الإنسانية بمعناها الشامل، واقترن هذا التطور
بإدخال مفهوم الحكامة في أدبيات الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز، ولعل
السبب في ذلك يعود الى أن بعض البلدان، التي حققت نمّواً اقتصادياً، لم
تستطع أن تحقق تحسنّاً في مستوى معيشة غالبية السكان، وهكذا فان تحسن
الدخل القومي لا يعني تلقائياً تحسين نوعية حياة السكان
.
فمنذ نهاية الحرب
العالمية الثانية عرف مفهوم"التنمية تطورا كبيرا منذ ذلك الوقت، ويعتبر
مفهوم التنمية البشرية المتواصلة أو المستديمة الأكثر قبولا الآن. فلم
يعد الأمر مقصورا على تحقيق معدل معقول للدخل الفردي، كما لم يعد معدل النمو
الاقتصادي كافيا للحديث عن تحقيق التنمية. ويرتبط ذلك بأمرين لا بد من
أخذهما في الاعتبار، الأمر الأول هو أن التنمية الاقتصادية – وإن كانت
سياسية- غير كافية وحدها للحديث عن تنمية حقيقية، بل لا بد من إدخال
عناصر أخرى تشمل الجوانب الاجتماعية والثقافية، وقد تطورت نظرة البنك الدولي
في هذا الميدان، حيث اتسع الأمر إلى قضايا التوزيع وحماية المهمشين،
ونضيف إلى ذلك
أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد عمد منذ بداية التسعينات إلى إصدار
تقرير سنوي عن التنمية البشرية المستدامة، وأدخل في هذا الصدد معايير
جديدة لقياس معدلات التنمية لا تقتصر على مستوى الدخل الفردي، وإنما
تراعي الجوانب الاجتماعية الأخرى مثل معدل الوفيات والأمل في الحياة،
فضلا عن مدى توافر الخدمات الأخرى.
وركزت تقارير برنامج الأمم المتحدة
الإنمائي
PNUD
منذ العام 1990، على مفهوم نوعية الحياة وعلى محورية البشر
في التنمية وزيادة قدراتهم على الاختيار وتمكينهم من
ممارسة هذه الخيارات وتفجير طاقاتهم الإبداعية، وتمكينهم من المشاركة في
أمور حياتهم، وأصبح النمو الاقتصادي ليس غاية بحد ذاته، بل هو وسيلة
لتحقيق التنمية، ومن واجب الحكم الصالح أن يتأكد من تحقيق المؤشرات
النوعية، لتحسين حياة السكان وهذه المؤشرات تتعدى الجوانب المادية ليندرج
فيها العلم والصحة والثقافة والكرامة الإنسانية والمشاركة.
ويحرص
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على نشر ما أطلق عليه مؤشر التنمية
البشرية سنويا للتعبير عن هذه الأمور.وأما الجانب الثاني الذي عني به
مفهوم التنمية البشرية فهو ضرورة تواصل أو اطراد التنمية بين الأجيال.
لا يمكن
إذا الجزم بعلاقة شرطية مطلقة بين التنمية والحرية، لكن انعدام أو ندرة
الأخيرة سيؤدي الى تقليص حجم التنمية ويؤثر مستقبلا على استمرارها، إنْ
لم يكن تراجعها وهو ما بينّته التجربة التاريخية.فقضايا التنمية لا يمكن
عزلها عن فكرة الحرية، فالدعوة إلى الحرية واحترام حقوق الإنسان ليس ترفا
تتمتع به الدول المتقدمة، في حين أنه ينبغي على الدول النامية أن تؤجل
البحث فيه إلى حين وضع أسس التقدم الاقتصادي، كما لو
كان هناك تعارض أو تناقض بين التنمية والديمقراطية.
يمكن القول أن مؤشرات التنمية الإنسانية المستدامة تتلخص
في توسيع قدرات الناس وخياراتهم والتعاون بتحقيق التنمية وعدالة التوزيع
والاستدامة، أي التواصل في العيش الكريم والأمان الشخصي دون خوف أو
تهديد، ويذهب تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2000 الى إضافة:
الحرية والحق في اكتساب المعرفة والشفافية وتمكين المرأة باعتبارها
مؤشرات نوعية لا تتحقق إلا بوجود نظام إدارة حاشد يضع السياسات ويسعى
لتطبيقها. وقد كشف تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004 عن النقص
الفادح في الحريات وبخاصة السياسية والمدنية ونقص المعرفة والثقافة
والنظرة غير المتوازنة الى حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل ناهيكم عن
الموقف من حقوق الأقليات.. وقد كشف تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام
2004 عن النقص الفادح في الحريات وبخاصة السياسية والمدنية ونقص المعرفة
والثقافة والنظرة غير المتوازنة الى حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل
ناهيكم عن الموقف من حقوق الأقليات.
و
الحقيقة أن مواجهة قضايا التنمية تتطلب الاعتراف للفرد بحقوقه وتمكينه من
المشاركة الجادة والفعالة في أمور حياته. وهناك حاجة إلى تمتزج بين
الحريات الفردية والتنظيم الاجتماعي. وقد أصدر الاقتصادي الهندي أمارتيا
صن
Amartya Sen
، الحائز على
جائزة نوبل في الاقتصاد، مؤلفا حديثا عن "التنمية حرية" وهو عنوان يكشف
عما يحتويه. فالحريات والإصلاح السياسي عمل مكمل وداعم
للإصلاح الاقتصادي،
وللتنمية بشكل
عام وليس معرقلا لها.واقتصاد السوق لا يكتمل إلا مع الديمقراطية والحرية
السياسية.
إن
علاقة التنمية بالحكم الصالح أو الرشيد يمكن قراءتها من خلال ثلاثة زوايا
هي:
1- وطنية، تشمل الحضر والريف وجميع الطبقات الاجتماعية والفئات بما
فيها المرأة والرجل.
2- عالمية، أي التوزيع العادل للثروة بين الدول
الغنية والدول الفقيرة وعلاقات دولية تتسم بقدر من الاحترام والمشترك
الإنساني والقواعد القانونية.
3- زمنية، أي مراعاة مصالح الأجيال الحالية
والأجيال اللاحقة.
ووفقاً لهذه الزوايا يمكن قراءة الأبعاد الأساسية للحكم
الصالح من خلال:
1-
البعد السياسي، ويعني طبيعة النظام السياسي وشرعية التمثيل والمشاركة
والمساءلة والشفافية وحكم القانون.
2- البعد الاقتصادي والاجتماعي بما له
علاقة بالسياسات العامة والتأثير على حياة السكان ونوعية الحياة والوفرة
المادية وارتباط ذلك بدور المجتمع المدني واستقلاليته.
3- البعد التقني
والإداري، أي كفاءة الجهاز وفاعليته، فلا يمكن تصور إدارة عامة فاعلة من
دون الاستقلال عن النفوذ السياسي، ولا يمكن تصوّر مجتمع مدني دون
استقلاليته عن الدولة ولا تستقيم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بغياب
المشاركة والمحاسبة والشفافية، هكذا إذا يحتاج الأمر الى درجة من
التكامل.
و لعل نقيض الحكم الصالح أو الراشد هو
الحكم السيء
poor governance وذلك من خلال
المعايير التالية:
1- عدم تطبيق مبدأ سيادة القانون أو حكم القانون و
Rule of law .
2-
عدم الفصل الواضح والصريح بين
المال العام والمال الخاص وبين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.
3- الحكم الذي لا توجد فيه قاعدة شفافة للمعلومات
وعلى العكس من ذلك قاعدة ضيقة لصنع القرار.
4- استشراء الفساد والرشوة وانتشار آليتهما وثقافتهما وقيمهما.
5- ضعف شرعية الحكام وتفشي
ظاهرة القمع وهدر حقوق الإنسان.
6- الحكم الذي لا يشجع على
الاستثمار خصوصاً في الجوانب الإنتاجية ويدفع الى الربح الريعي
والمضاربات
ثالثا: الحكم الصالح
والتنمية على مستوى الخطاب
الدولي:
أثارت سياسات التنمية
الاقتصادية في عدد من الدول النامية قضايا متعلقة بسلامة الحكم ونزاهته،
ونظرا لاستقرار مبادئ السيادة لكل دولة وضرورة عدم التدخل في شؤونها
الداخلية، فقد وجدت العديد من مؤسسات التمويل الدولية صعوبة في التوفيق
بين احترام هذه المبادئ المستقرة والحاجة إلى توجيه النظر إلى أهمية
سلامة أساليب الحكم. فتوجهات البنك الدولي مثلا في قضايا التنمية كثيرا
ما تصطدم بالاعتبارات السياسية للدول المتلقية للقروض
من حيث عدم إمكان التعرض إلى
قضايا النظم السياسية وأساليب الحكم القائمة، مع ذلك فقد أطهرت تجارب
التنمية في العديد من الدول خاصة في إفريقيا، أن فشل التنمية كان راجعا
بالدرجة الأولى إلى فساد النظم السياسية السائدة وأنه بلا يوجد أمل حقيقي
في أي تنمية مستديمة مالم تحدث تغيرات في أساليب الحكم.
ورغبة من البنك الدولي في
طرح هذه القضايا دون التعرض مباشرة للقضايا والأمور السياسية فقد سك
تعبيرا جديدا لمناقشة هذه الأمور، هو تعبير الحكم الصالح أو ما يصطلح على
تسميته بالحكامة.
ومن الواضح أن مفهوم الحكم
الصالح أو الرشيد على هذا النحو يتسق مع الاتجاهات الأخرى السائدة، من
حيث غلبة مفهوم اقتصاد السوق واستعادة دور الديمقراطية واحترام حقوق
الإنسان، فهذه الأفكار تمثل نوعا من الايدولوجيا الجدية التي تتكاثف
المؤسسات الدولية والنظام الاقتصادي الدولي في الدعوة إليها. لقد أصبحت
المنظمات الاقتصادية الدولية تمارس ضغوطا على الدول بواسطة القروض
المشروطة، والاستشارات من أجل أن تكون أكثر اندماجية يستجيب ومتطلبات هذه
المنظمات في المجال الحقوقي والسياسي، حيث أصبحت تتضمن في دساتيرها
احترام المعاهدات الدولية كما هي متعارف عليها عالميا وحرية الرأي
والتعبير و الديمقراطية والتعددية الحزبية، أي محاولة تعميم النهج
الليبرالي الديمقراطي
على
المستوى السياسي.
و في دراسة للبنك الدولي بخصوص
الحكم الرشيد في الشرق الأوسط
وشمال إفريقيا، حددت معيارين: الأول حكم القانون والمساواة وحق المشاركة
والفرص المتساوية للاستفادة من الخدمات، أما الثاني: التمثيل والمشاركة
والتنافسية والشفافية والمساءلة.
و قال مدير البرامج العالمية في البنك الدولي "دانيال
كوفمان" إن البنك الدولي أعد مؤشرات للحوكمة الجيدة، وتطبق في أكثر من
200 دولة، وهي وجود إدارة الحكم تتطلب استقرار سياسيا وغياب الأعمال
الإرهابية والعنف وقيام الدولة بوضع سياسات معينة 'لا سيما إصدار قوانين
حديثة وممارسة دور فاعل واحترام المواطنين وممارسة الرقابة على الفساد
المتفشي)، كما اعتبر أن ضمان حسن إدارة الحكم بات إحدى نقاط ارتكاز
مبادرات البنك الدولي لمناهضة الفساد ومساعدة الدول على بناء مؤسسات قطاع
عام على درجة من الكفاءة والفعالية وتخضع للمسائلة.
النهج الذي يعتمده البنك لمناهضة الفساد يتمحور حول
أربع نقاط رئيسية وهي تقديم المساعدة للدول التي تطلب المساعدة في كبح
الفساد، واتخاذ جهود مناهضة لفساد والإسهام في الجهود الدولية لمناهضة
الفساد والكفاح من أجل منع ارتكاب أعمال فساد في المشروعات التي يمولها
البنك الدولي.
وذهبت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
OCDE إلى التاكيد على أربعة معاييرهي دولة القانون
وإدارة القطاع العام و السيطرة على الفساد وخفض النفقات العسكرية في حين
أن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدةPNUD ركز
على تسعة معايير وهي:
1- المشاركة 2- حكم القانون 3-
الشفافية 4- حُسن الاستجابة 5- التوافق 6- المساواة 7- الفعالية 8-
المحاسبة.9- الرؤيا الإستراتيجية.
* معايير الحكم الرشيد وفقا للبرنامج الإنمائي للأمم
المتحدة:
أ- المحاسبة التوافق.
ب-الشفافية الحكم الراشد/ الصالح (السليم) المشاركة .
ج-حسن الاستجابة حكم القانون .
د-المساواة الفعالية .
ولا يمكن الحديث عن هذه المعايير دون استقرار سياسي
وسلم مجتمعي وأهلي، ووجود مؤسسات وتداول سلمي للسلطة وإقرار بالتعددية
وانتخابات عامة دورية وإدارة اقتصادية ومشاركة شعبية.
وتجدر الإشارة إلى أن الدول المتقدمة المانحة
للمساعدة أصبحت تكرر باستمرار سواء في المؤتمرات أو في المبادئ التي توجه
السياسات الوطني أو الجماعية، حرصها على ربط المساعدة على التنمية
باحترام حقوق الإنسان.
ولا يرجع هذا الربط المعلن فقط إلى ضغط المنظمات غير
الحكومية والرأي العام، بل إن ذلك يرتبط أيضا بالوعي المتزايد في الدول
المتقدمة نفسها بضرورة حد أدنى من ترشيد التعاون الدولي وإدخال قدر من
العقلانية على السياسة الخارجية، ليس لاعتبارات أخلاقية أو إنسانية صرفة
ولكن أساسا لاقتناعها أن مصالحها نفسها صارت مهددة بسبب تردي الأحوال
السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العامل الثالث، أمام تقلص الأموال
المتاحة للمساعدة وتزايد طالبي الهجرة واللجوء وتيارات اللاجئين والضغط
الديموغرافي وتدهور البيئة وانتشار التطرف والتعصب وما يرافق ذلك من نمو
العنصرية في قلب "ديمقراطيات" الشمال الغني نفسه.
وقد أتاح انفراج الشرق والغرب ثم اختفاء الشرق
إيديولوجيا، الاستغناء عن عدد من الديكتاتوريات التي كانت تلعب دور
الحليف في هذا الصراع مقايضة ولاءها بمزيد من المساعدات العسكرية
والاقتصادية وبمزيد من الصمت والسكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان وتفشي
الرشوة وتبذير الأموال العمومية، وهي ممارسات تقود إلى التدهور المشار
إليه آنفا.
وقد أصبح من المعايير الأساسية لتقديم المساعدة، ما
تطلق عليه الدول المتقدمة، تعبير الحكم الجيد
Good governance
.
ففي تصريح لمجلس وزراء خارجية السوق الأوربية
المشتركة مؤرخ ب 28 نوفمبر 1991، نقرأ ما يلي: "يلح المجلس على أهمية
الحكم الجيد، وفي حين يبقى من حق الدول ذات السيادة إقامة بنياتها
الإدارية وترتيباتها الدستورية،فإن تنمية عادلة لا يمكن إنجازها فعلا
وبشكل دائم إلا بالانضمام إلى مجموعة من المبادئ العامة للحكم: سياسات
رشيدة اقتصاديا واجتماعيا، شفافية حكومية (...) وقابلة للمحاسبة المالية،
إنشاء محيط ملائم للسوق قصد التنمية، تدابير لمحاربة الرشوة، احترام
القانون وحقوق الإنسان، حرية الصحافة والتعبير(...) وهذه المبادئ ستكون
أساسية في علاقات التعاون الجديدة " .
ونقرأ في مقدمة التقرير السنوي لوزارة الخارجية
الأمريكية حول حقوق الإنسان في العامل لسنة 1989 ما يلي: "..ولأننا نجد
في الدول التي تحترم حقوق الإنسان أصدقاء لا أعداء...إنها الحكومات
الأكثر استقرارا والمجتمعات الأكثر حيوية، حصون الحرية المحترمة لحقوق
مواطنيها وجيرانها، وأكثر المسؤولين عن رفاهية المجموعة الدولية" .
و قد قامت الدول الأعضاء في لجنة "المساعدة على
التنمية " (C.A.D)
التابعة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إضافة إلى رؤساء ومدراء
البنك العالمي وصندوق النقد الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية في 5
دجنبر 1989 بإصدار تصريح مشترك بالسياسة العامة التي ستوجه التعاون لأجل
التنمية في التسعينات، ومما جاء فيه: "إن هناك علاقة حيوية معترف بها
اليوم على نطاق واسع بين
الأنظمة السياسية المفتوحة والديمقراطية والقابلة للمحاسبة والحقوق
الفردية وبين الأداء الناجح والعادل للأنظمة الاقتصادية. إن الديمقراطية
القائمة على المشاركة تتطلب مزيدا من الديمقراطية ودورا أكبر للمنظمات
المحلية والحكم الذاتي واحترام حقوق الإنسان بما في ذلك أنظمة قانونية
فعالة ويسهل الوصول إليها
accessible
وأسواق تنافسية حرة وديناميكية".
غير أن أقوى تصريح بالسياسة العامة والمبادئ
التي يجب أن تقود التعاون الدولي لأجل التنمية، وأكثرها انسجاما، هو
المقرر الذي صدر عن مجلس وزراء المجموعة الاقتصادية الأوربية في 28
نوفمبر 1991 تحت عنوان: "حقوق الإنسان، الديمقراطية والتنمية" ، فقد
اعتبرها هذا المقرر" أن المجموعة يجب أن تكون لها مقاربة
approche
مشتركة لدعم حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم الثالث" مما يحسن
انسجام وفعالية المبادرات المتخذة في هذا المجال.
وإذا كان الحكم الصالح يعني حسن التصرف في إدارة
الحكم لجهة الشفافية والمساءلة والمساواة ، لحدودها الدنيا وللشرائح
الدنيا أحياناً ، فإنها يمكن أن تساعد في تحقيق التنمية وتشتبك مع
الديمقراطية ، التي تعني أشكال وأساليب ممارسة السلطة السياسية وآليات
اتخاذ القرار إضافة إلى مجموعة الضمانات القانونية ضد التعسف السياسي من
جانب السلطة على حقوق الفرد والمجتمع كما ورد في أعلاه .
يبدو أن هناك علاقة وثيقة بين التنمية والحكامة
والديمقراطية، لكن مثل هذه العلاقة ليست حصرية أو إجبارية ، فقد يكون
هناك حكم غير ديمقراطي لكن إدارته وسلوكه أقرب إلى الحكامة ، وبالطبع فإن
كل نظام ديمقراطي لابد أن يشتبك مع موضوع الحكامة خصوصاً في مسألة
المساواة والمساءلة والشفافية.
كما أن تحسين أداء الحكم وربطه بالديمقراطية ، يتطلب
نوعاً من الإصلاح السياسي سواء من حيث الأسس أو التوجهات العملية بغض
النظر عن طبيعة النظام السياسي، فقد تتيح كما أشرنا بعض الأنظمة درجات
معينة ومحدودة من المساءلة والشفافية لأسفل الهرم الحكومي ، لكنها تظل
بعيدة عن المتطلبات والشروط الدولية للديمقراطية. أما أنظمة الحزب الواحد
حيث تأكل الدولة المجتمع وتبتلع مؤسساته المدنية، (الأهلية وغير
الحكومية) أو تحّولها إلى تابع لها فإن مسألة المساءلة والشفافية تضعف
إلى حدود كبيرة، حيث ينتشر الفساد والتسلطية والاستبداد بتراتبية من قمة
الهرم حتى قاعدته، على حد تعبير المفكر والمصلح عبد الرحمن الكواكبي.
النظام الديمقراطي يتطلب فصلاً للسلطات الثلاث
التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتناوبية عبر انتخابات دورية ومجتمع
مدني ناشط ، واحترام لحقوق الإنسان، ومساءلة للحاكم، وتلكم هي إحدى
مقاربات الديمقراطية على المستوى العالمي من الناحية الحقوقية الفكرية
والسياسية، وهي التي أخذت بها الأمم المتحدة والعديد من الهيئات الدولية.
وهناك أسئلة تفرض نفسها باستمرار حول الديمقراطية
والتنمية: منها هل أن الديمقراطية هي الرافعة التي تؤسس بالضرورة للتنمية
الاقتصادية والاجتماعية ؟ أو أن هذه تنشأ بمعزل عن طبيعة نظام الحكم؟ أو
قد تنشأ متأثرة بالنظام السياسي (نسبيا) أي بسلوكية الحكم ، سواء كان
حكماً صالحاً (Good Governance)أو
كان حكما طالحا (Poor Governance)،
وسواء كان حكماً ديمقراطياً أم شمولياً؟
والسؤال يطرح على نحو آخر: هل الديمقراطية والتنمية
مكوّنات لمعادلة واحدة ، بحيث إن وجود الأولى يقود بالضرورة الى الثانية؟
وهل أن الديمقراطية وحقوق الإنسان ، هما "الهدف المركزي" أم أن التنمية
وتحسين الحياة الاجتماعية والرفاه الاقتصادي هي الهدف ؟ أي هل
الديمقراطية هي الوسيلة والتنمية هي الهدف؟ أم أنهما |